عشر سنوات على ميلاد الاتحاد من اجل المتوسط : في الحاجة إلى رؤية متبص

بعد مرورعشر سنوات على إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط ، يظهر بجلاء أن بناء فضاء مشترك للاستقرار والازدهار الذي طالما تطلعت إليه الضفة الشمالية والجنوبية لم يتحقق بعد، ليس فقط بسبب غياب الإرادة السياسية في أوروبا وعدم توفر الآليات التي تتماشى مع الديناميات السياسية الجديدة على مستوى الجنوب المتوسطي بل نتيجة كذلك لعدم إلتزام دول الجنوب، التي وجدت نفسها بعيدة عن هذا الطموح الجهوي وما يقتضيه من اصلاحات ترقى الى مستوى هذا المشروع التكاملي المتعدد الأبعاد

كما ان الاضطرابات التي حدثت على المستوى الدولي والجهوي و بروز تحديات جديدة، سلطت الضوء على عجز الدول الأعضاء والمؤسسات على خلق الظروف الملائمة لمساعدة بلدان المنطقة على تجاوز صعوباتها.
ومع ذلك، تبرز اليوم و أكثر من أي وقت مضى، الحاجة الى فضاء موحد وقوي ومتضامن يجعل بلدان المنطقة ترفع تحدياتها المشتركة وتستجيب للتطلعات المشروعة لشعوبها وعلى وجه الخصوص لشبابها.

هذه المعاينة التي تم التذكير بها غير ما مرة، والتي يبدو أنها لم تجد آذانا صاغية تبقى حقيقة ملموسة يتعين التأكيد عليها مرة أخرى وبنفس الإصرار: بدون هذا الفضاء الموحد والقوي والمتضامن، ستتسع الفجوةاكثر بين انتظارات سكان المنطقة الأورو متوسطية وواقعهم اليومي ولن يذكي ذلك سوى المزيد من سوء التفاهم والإحباطات والشعوبية بكل أشكالها.وفي هذا الصدد، يستمر المغرب العربي في السباحة ضد التيار، حيث يفتقر إلى البراغماتية والشجاعة السياسية على الرغم من الدعوات المتكررة للعمل من أجل بناء فضاء مشترك للسلام والرخاء. كم هو مؤسف أن يتذيل المغرب العربي قائمة المناطق المندمجة في العالم، فإغلاق الحدود لا يزال يشكل عائقا يحول دون تشجيع المبادلات والاستثمار وخلق فرص شغل. وبالتالي، بدلاً من الولوج المتدرج إلى دائرة التنمية والنمو والثروة المشتركة، يتدحرج المغرب العربيمنذ 1990 في فضاء للتوتر والصعوبات التي تعيق ظهور قطب تنموي حقيقي في هذا الجزء الجنوبي من المنطقة الأورو متوسطية.

بروز المنطقة الاورو-متوسطية مرتبط أيضا بإكراهات وطنية بسبب الانقسامات الموجودة داخل الاتحاد الأوروبي، بخصوص الحساسيات والمصالح المختلفة تجاه البحر المتوسط. فأولويات أوروبا بدت أكثر توجها نحو الشرق.
أزمة الهجرة خلقت بدورهااليوم فجوة جديدة بين دول الاتحاد، وشلت أي حل أوروبي لأزمة اللاجئين في الوقت الذي يتعين على هذه الدول تخطي الاعتبارات الوطنية وتبني مقاربة إقليمية موسعة.

يبدو أن الأجوبة المقترحة من قبل للاتحاد الأوروبي تعكس أدنى مستويات التوافق بسبب اصطدامها بحائط الانشغالات الوطنية المتباينة.
الانطواء على الذات، وإغلاق الحدود أو إنشاء مراكز احتجاز المهاجرين لن يحل إشكالية الهجرة فحسب، بل قد يقوض أسس القيم التي يقوم عليها وجود هذه المنطقة الأورومتوسطية التي نرغب جميعا في بنائها. إن مسؤوليتنا المعنوية المشتركة تخصنا كدول الشمال وكدول الجنوب، تفرض علينا معالجة قضية الهجرة بطريقة إنسانية وشاملة ومسؤولة، بمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة مع مقاومة الشعبوية بكافة أشكالها.
ومن جانبها، يجب على بلدان الجنوب، كل حالة على حدة، أن تطلق أو تواصل الإصلاحات المؤسساتية الهادفة إلى تعزيز التماسك الاجتماعي، وتحرير الطاقات والإمكانات الاقتصادية واستكمال النموذج السياسي الذي يتماشى في الوقت نفسه مع أولويات كل منها، مع تكريس التقارب بين القيم التي يجب علينا جميعا أن نجد أنفسنا حولها.

بدلا من الانتهازية السياسية، حان الوقت الآن للارتقاء وطرح رؤية واضحة للتضامن تستند على المنفعة والجرأة والشجاعة. لقد آن الوقت لإعمال تفكير جاد بعيد عن المجاملة بغية تحقيق العيش المشترك. هذا الجهد كما يبدو يجب أن ينطلق من المعاينة التالية: لم يتمكن الاتحاد من أجل المتوسط من العمل كفضاء للحوار السياسي وتقريب وجهات النظر بسبب المهمة التي أوكلت له منذ البداية والتي تراجعت وتم حصرها في الجوانب التقنية.

لقد أظهرت أوروبا اليوم محدوديتها عندما يتعلق الأمر بحل الصراعات والأزمات العالمية التي تنشأ في فضائها المباشر. هذا هو الحال بشكل خاص في ليبيا، سوريا، أو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. يجب الاعتراف بأننا لم نتمكن من إيجاد توافق في الآراء وتقارب في وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية الكبرى.

كل هذه التطورات، تستدعي تغييرا في التصور من أجل شراكة عميقة وفعلية بين الشمال والجنوب، لتسهيل إيجاد مخرج لأزمة هذا الفضاء الأورو متوسطي. ولهذه الغاية يتعين اللجوء إلى بعض مسالك العمل من أجل خلق دينامية جهوية جديدة بإمكانها السماح لهذا الفضاء من الخروج من قوقعته.
لا يمكن للاتحاد من أجل المتوسط، أن يستمر رهينة لاعتبارات سياسة، وعليه تجاوز المنطق الذي يقتصرعلى ما هو مؤسساتي ومواءمة مهمته مع الأولويات الجديدة.

بالنظر إلى التغيرات الجيوسياسية وتطور الأولويات الإقليمية من عام 2008 إلى اليوم، يمكن لأمانة الاتحاد من أجل المتوسط أن تلعب دورا أكبر إذا عملت أوروبا على تعزيز هذه المؤسسة الإستراتيجية و مدها بالآليات اللازمة لإنجاز مهمتها ، خاصة من خلال:

– منصة « لمسؤولية مشتركة » و « لتملك مشترك »: تعزيزا لبرامج ذات صبغة جهوية خدمة لهدف موحد، من التنمية والاستقرار في المنطقة.
– منصة « لقرار مشترك »: باعتبارها بنية تجمع بين بلدان شمال وجنوب المتوسط على مستوى الحكامة وفي إطار التعاون الإقليمي.
– آلية تعبئة الموارد المالية: بشراكة مع اللجنة الأوروبية، والبنك الأوروبي للاستثمار و/أو مؤسسات أخرى ثنائية أو دولية للتمويل.
يتعلق الأمر إذن بوضع تصور بشأن مسلك سياسة متوسطية متناسقة، اساسه التقارب الذي يدعو إلى تنفيذ سياسة ذات مسؤولية مشتركة تتلاءم مع

وضع دول البحر الأبيض المتوسط وتسمح بإعطاء معنى ملموسا لعمل الاتحاد من أجل المتوسط في المنطقة. لقد ساهمت سياسة التجانس في تحقيق التقارب الداخلي على مستوى الفضاء الاقتصادي الأوروبي من خلال التقليص من الفوارق في التنمية.

وبالفعل، فإن احتياجات وتطلعات بلدان الجنوب اتجاه الاتحاد الأوروبي قوية ويجب أن تنحوا أبعد في اتجاه سياسة أوربية للجوار طموحة وواعدة. أكثر من ذلك، نحن بحاجة إلى هندسة جديدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأجوبة محينة ومبادرات مبتكرة للتنمية من أجل رفع التحديات الجماعية.
رؤية مشتركة لبناء محور متكامل: أوروبا / أفريقيا مع محور البحر الأبيض المتوسط
أوروبا في طور التحول وبروز رهانات جديدة تدعو إلى تغيير في التصور، لأن قدر أوروبا وأفريقيا مرتبط ارتباطا وثيقا لان الأمن جزء غير قابل للتجزئة(تدفقات الهجرة والإرهاب والتغيرات المناخية والهشاشة المستمرة في منطقة الساحل). اليوم، ما هو ضروري لنا جميعا، هو بالتأكيد الحفاظ على الأمن في جوارنا المباشر، ولكنه أيضا تقليص الاختلالات التي من شأنها تهديد السلام والاستقرار في فضائنا.

من أجل هذا، حان الوقت لبناء محور مندمج يربط قارتي أوروبا وأفريقيا عبر البحر الأبيض المتوسط. محور متكامل من شأنه الإجابة على التحديات المشتركة من خلال الاعتماد على الحكامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والقطع التام مع تلك التي لا تزال سائدة في المنطقة الأورومتوسطية بهدف الوصول الى استغلال أفضل لفرص للتنمية المشتركة. لذلك سيكون من الضروري اقتراح « صفقة جديدة » لهذه المناطق الجغرافية الثلاثة أ.م.أ ، مما يعطي مركزية بارزة لبلدان الجنوب والتي ينبغي ترجمتها إلى:
– تغيير الرؤية: خدمة للتنمية المشتركة والازدهار المشترك، وتوفير الظروف لصياغة نماذج جديدة للنمو والتنمية، أكثر شمولا واستدامة لفائدة جميع الساكنة.

– تغيير في المقاربة: يتعلق الأمر بتحويل الثروات الهائلة التي تزخر بها القارة للاستجابة لتحديات الهجرة والشباب، التي يعد تملكها أمرا أساسيا للمساهمة بشكل كامل في التنمية وتحول القارة. كما أن التكامل الناجح يكمن أيضا في تعزيز القيم الدينية والثقافية من خلال تطوير التربية وتشجيع ثقافة التسامح الديني، لمواجهة انعدام الأمن والتطرف.
– تغيير المنهج: إنها مسألة البدء من الاحتياجات والانتظارات المشروعة لساكنة الجنوب سواء على المستويات الاقتصادية والسياسية أو الاجتماعية والبشرية. لقد اصبح من الضروري صياغة أساليب جديدة للعمل، من أجل حكامة خاصة بأفريقيا لها أدواتها تنسجم مع واقع القارة، وتحترم التوازنات الاجتماعية.

لقد أدرك المغرب جيدا ومنذ البداية أهمية دينامية التغيير في رفع التحديات والاستجابة لتطلعات المغاربة في سياق تواجه فيه منطقتنا تحديات مختلفة(أمنية ، سياسية ، اجتماعية – اقتصادية) متعددة الأبعاد. في الحقيقة لا يتعلق الأمر فقط بحركية التغيير، بل أيضا بالانفتاح الذي سمح لبلدنا، بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مواجهة التحولات في المنطقة، والحفاظ على استقراره وتماسكه وتعزيز التنمية على جميع المستويات، مع الحفاظ على الأسس الاجتماعية للبلاد ورأسمالها الحضاري. كما أن الموقع الجغرافي المتفرد للمغرب يجعله مؤهلا للعلب أدوار طلائعية مع جيرانه الأوربيين وفي مقدمتهم إسبانيا بغية تفعيل الاتحاد من أجل المتوسط الذي سمح بإعطاء نفس جديد لمسلسل برشلونة، الذي يبقى على الرغم من الصعوبات التي تمت معاينتها منذ إعلانه مبادرة متبصرة وواعدة تستند على مبادئ قوية وواضحة: المساواة و التملك المشترك بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال والمساعدة في تمويل المشاريع.

يتعين على الاتحاد من أجل المتوسط ان يلعب دورا في تعزيز البرامج الإقليمية المبتكرة التي تستجيب لاحتياجات وواقع بلدان البحر المتوسط.
ومنذ ذلك الحين، مرت بلدان الشمال والجنوب بالكثير من العواصف وما زالت تواجه صعوبات جمة وإكراهات كبيرة، لكن علينا مواصلة المسيرة و المحافظةعلى النموذج الوحيد الذي يوفر لجميع بلدان المنطقة آفاقا حقيقية على المدى الطويل. إنه العمق الاستراتيجي الحيوي لبلدان الشمال، والأكسجين الضروري لتنمية بلدان الجنوب بهدف بناء منطقة متكاملة من السلام والازدهار المشترك لجميع بلداننا.

إن المشروع الأورو-متوسطي مدعو للتكيف مع التحولات المختلفة في المنطقة لتقديم الجواب المناسب للتحديات و الرهانات التي تولدت في عالم دائم التغيير. حان الوقت لإعادة صياغة السياسة الأوروبية خاصة اتجاه الضفة الجنوبية، في أفق اندماج متوسطي يمهد لاندماج أورو-أفريقي لأن مستقبل أوروبا يكمن في إفريقيا. هذه الآفاق الجديدة تدفع بشكل طبيعي للتفكير في آليات التضامن التي يجب وضعها لجعل هذه الرؤية الواعدة مشروعا يحظى بمصداقية وفعالية.

يجب أن ندرك أن الفضاء الأورورمتوسطي فرصة غير مسبوقة، فرصة لتحقيق المصالح والإثراء المشترك، وليس مجرد منطقة مجزأة ومشتتة. بهذا الجهد فقط يمكن تبديد الغيوم التي تهدد اليوم بإدخال الفضاء الاورومتوسطي في اتجاه معاكس لتاريخه ومصيره.

média