جلالة الملك أعطى نفسا قويا للسياسة الخارجية للمملكة تجاه أفريقيا

يوسف العمراني يتحدث ل »العلم » و « لوبنيون » عن الجولة الملكية الافريقية

جلالة الملك أعطى نفسا قويا للسياسة الخارجية للمملكة تجاه أفريقيا

يواصل جلالة الملك محمد السادس زياراته إلى كل السنغال وكوت ديفوار والغابون.  وتندرج الجولة الإفريقية في إطار تعزيز العلاقات التاريخية بين المغرب ومجاله الإفريقي كما تعبر بصدق عن انفتاح  المغرب على محيطه الإفريقي وتعكس النظرة الإستراتيجية لجلالة الملك للانتماء إلى القارة السمراء.  بالمناسبة خص السيد يوسف العمراني، الوزير المنتدب في الشؤون الخارجية والتعاون « العلم » و »لوبينيون » بحديث يحلل فيه أهداف زيارة جلالة الملك واهتمامه الكبير بالعلاقات المغربية الإفريقية ودور المغرب في القارة السمراء.

جولة جلالة الملك محمد السادس في أفريقيا دليل على الأهمية التي يوليها المغرب لقارة انتمائه. هل يمكنك، السيد الوزير، أن توضح الدور الذي يلعبه المغرب في هذه القارة؟

في البدء، أود أن أؤكد على  أن السياسة الخارجية للمملكة اتجاه أفريقيا قد رسمت معالمها وحددت ضوابطها من قبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي أعطى لها نفسا قويا، حيث لم يتوان منذ توليه مقاليد الحكم، في تدعيم وترسيخ هذه العلاقات، وجعلها واحدة من المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية للمملكة، والارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الحقيقية  الفاعلة والمتضامنة، التي تندرج في إطار أوسع  للتعاون جنوب-جنوب، وهنا استحضر على سبيل المثال،الزيارات الناجحة التي قام بها سابقا صاحب الجلالة، للعديد من البلدان الأفريقية، والمبادرات الرامية إلى تعزيز العلاقات مع شركائنا، وتوقيع 500 اتفاقية خلال عقد من الزمن مع أكثر من 40 بلدا.

إنها الرؤية الملكية التي تقوم على أربعة أسس، وهي الجذور التاريخية، والتضامن الفعال والاستماع لطموحات الأشقاء الأفارقة، وهو التزام متواصل لفائدة  التنمية الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا. وكذا  هي رؤية متجددة، يتعين على الدبلوماسية المغربية تنفيذها.

إذا تأتي هذه الجولة الجديدة لجلالة الملك محمد السادس في أفريقيا، توطيدا للروابط القوية التي تجمعنا مع هذه الدول، مع إعطائها نفسا أكثر دينامية وتجددا. تشكل هذه الجولة أيضا، إشارة قوية على التزام المملكة للتعاون مع بلدان الجنوب على أساس من التفاهم المتبادل، والتواصل والتعاون والتضامن مع ما يعتبره امتداده الطبيعي، والحيوي والاستراتيجي.

هذه الجولة الجديدة لجلالة الملك، ستسمح بكل تأكيد  بفتح آفاق جديدة على المستوى السياسي والتعاون التقني، والتنمية البشرية على حد سواء.

أود أن أذكر، أن السياسة الافريقية للمملكة في عهد جلالة الملك محمد السادس، تميزت بإقامة تعاون متنوع الأبعاد متجدد ومبتكر ، وبتعزيز المكتسبات السابقة. كما تميزت بالعمل على فتح آفاق جديدة وواعدة، خاصة في المجال الاقتصادي مصدر الرخاء المشترك.

وكمثال على ذلك، سأكتفي للتذكير فقط أن المملكة المغربية استقبلت أكثر من 8000 طالب بالمؤسسات العليا، من بينهم 6500 يستفيدون من منح تقدمها الحكومة المغربية، وينحدرون من 42 دولة.

بالنسبة للمغرب، هذه هي المقاربة المتجددة والشاملة، التي هي في ذات الوقت تحترم  تراثنا  وتاريخنا الأفريقي المشترك، الأكثر ملائمة لاغتنام الفرص المتاحة لمواجهة مختلف التحديات التي تواجه منطقتنا. بهذا المعنى، إذ ستساهم في تحقيق استقرار الدول الافريقية، و تحسين ظروف عيش شعوبها، خاصة فيما يتعلق بمواجهة  الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي والأمية والأوبئة التي تضرب القارة.

وكخلاصة تبقى المملكة عازمة على  الارتقاء بعلاقات التعاون إلى مستوى شراكة حقيقية نشطة ومتضامنة، في إطار رؤية متجددة للتعاون جنوب-جنوب.

بالرجوع إلى هذه التهديدات الأمنية التي أشرتم إليها، استضاف المغرب مؤتمرا حول مراقبة الحدود في منطقة الساحل والاتحاد المغاربي، هل يمكنكم توضيح هذا الحدث، وكذا الاجراءت المتخذة في هذا الصدد ؟

هذا الاجتماع، يوضح التزام المغرب المتواصل من أجل  تكامل جهوي متناسق، ويسلط الضوء على المقاربة الاستباقية والتفاعلية متعددة الأبعاد التي  اعتمدتها بلادنا  لتكون قادرة على توفير أجوبة ملائمة  لمواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة المغاربية والساحل، وتعكس على وجه الخصوص التزامه بشأن استقرار وأمن هذه المنطقة، واحترام السيادة الوطنية ، والوحدة الترابية للدول الأفريقية.

السياق الإقليمي المتميز، ساهم في إعطاء دفعة للعلاقات السياسية مع الشركاء الأفارقة كعلامة على الوفاء والالتزام الراسخ، أيضا على المستوى الإنساني من حيث الدفاع عن السيادة والحفاظ على خيارات البلدان الوطنية الأفريقية الشقيقة.

أود أن أذكر أن التزام المملكة هذا، لا يعود لتاريخ اليوم، لأنه كما تعلمون، شارك المغرب بنجاعة، في عمليات مختلفة لحفظ السلام، خاصة بجمهورية الكونغو الديمقراطية وساحل العاج.

بخصوص الملف المالي، لم يتوقف المغرب عن دعم هذا البلد لاستعادة وحدته وسلامة أراضيه في هذه الفترة العصيبة. هذا الالتزام استدعى اعتماد مقاربة شاملة، تولف بين  كل الأبعاد الضرورية ، سواء السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الأمنية أو الدينية. هذه هي دلالة مشاركة المغرب في أعمال القمتين الأخيرتين لرؤساء الدول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. من خلال هذه المشاركة، عبر المغرب عن التزامه ليلعب دوره الكامل في التجمعات الإقليمية، ليجعل من التنمية عملا جماعيا يتجاوب مع تطلعات و حاجيات البلدان الإفريقية.

أريد أن أؤكد، أن المغرب انخرط من خلال التزام ملموس وتطوعي في إطار جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل نهائي لهذا النزاع، من خلال تعبئة المجتمع الدولي بشأن الطابع الاستعجالي لهذه القضية. وقد ترجم  ذلك إلى اعتماد القرار الأممي رقم 2085  تحت الرئاسة المغربية لمجلس الأمن. مما يؤكد دور المغرب كمتحدث باسم القارة لمواجهة مختلف التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه منطقة الساحل والصحراء.

هذا يحيلنا على الجانب الاقتصادي للتعاون المغربي- الأفريقي وآفاقه، السيد الوزير ما هو الدور الذي يلعبه البعد الاقتصادي في السياسة الافريقية للمملكة؟

من البديهي، أن البعد الاقتصادي اصبح له مكانة بارزة في سياستنا اتجاه افريقيا ، لأنه يشكل مرتكزا أساسيا يعتمد عليه المغرب لتعزيز التنمية البشرية والرخاء حيث ننطلق منه لتعزيز استقرار وأمن شركائنا الأفارقة.

أعتبر أن علاقات التعاون مع الدول الأفريقية، لم تعد خيارا بل ضرورة حتمية لتمكين بلدان الجنوب من الاستجابة لتطلعات شعوبها من أجل تنمية بشرية عادلة ونمو اقتصادي متواصل، وهذا يتأتى من خلال  إقحام  متنامي لمتدخلين مغاربة جدد في جهود نقل المعرفة وتبادل الخبرة .

وفي خطواتها،  لم تدخر المملكة أي جهد لتبادل التجارب والخبرات في جميع مجالات التنمية مع أشقائها الأفارقة، وفق مقاربة متبادلة  شاملة  للقطاعات  الاجتماعية الأساسية والمجالات التقليدية للتدريب والتعاون التقني، والذي يعمل المغرب اليوم على توسيعها إلى مجالات الاستثمار المنتج، والنقل الجوي والبحري والخدمات المالية والمصرفية.

فيما يتعلق بآفاق هذا التعاون، أود أن أذكر أن بلادنا تتوفر على العديد من الأدوات  لتعميق علاقاتها مع أفريقيا، بما في ذلك على الخصوص، اقتصاده المتنوع والخبرات المكتسبة في العديد من المجالات التي يعترف بها جميع الشركاء الأفارقة. و بالإضافة إلى ذلك، يستفيد الاقتصاد المغربي، من نظام مالي قوي، ووجود مجموعات كبيرة تنتمي للقطاع العمومي وأخرى تنتمي للقطاع الخاص، التي تميزت بما حققته من  نجاح  في أفريقيا، والتي ينبغي في ذات الحين أن نستفيد منها.

في هذا الاتجاه، فإن المستثمرين المغاربة في أفريقيا يطبعهم طابع التنوع         والغنى القطاعي مثل الخدمات التي هي مكون أساسي للطلب الإفريقي ، كالقطاع البنكي، والنقل الجوي  والتأمين والاتصالات. يشكل أيضا تكوين الأطر سواء على المستوى الجامعي أو التقني أو المهني، واحدا من مجالات الانشطة البارزة والنتائج الملموسة.

نحن عازمون على اكتشاف مجالات واعدة، تتلاءم مع اولويات وطموحات والإمكانات الاقتصادية للمغرب. نحن في حاجة  إلى أن نكون أكثر جرأة وإبداعا في خطواتنا الرامية إلى تعزيز نمو رافعات جديدة للتنمية، وخلق فرص تجارية. من خلال مثل هذه المقاربة، نؤكد على الثقة التي نضعها في الاقتصاد الافريقي الذي يشكل  مصدرا موثوقا به  للنمو بالنسبة للمقاولات المغربية.

زيادة على ذلك، أعتقد أن المناخ الاقتصادي الحالي، إن على المستوى الإقليمي أو الدولي، يدفعنا إلى أن نكون أكثر  فاعلية وطموحا، لنجعل من تطوير علاقاتنا مع أفريقيا مسألة إستراتيجية تخولنا بلوغ مختلف الأهداف ذات الأولوية.

يقتضي الأمر، استثمار مكتسبات شراكتنا الاقتصادية مع افريقيا، وتعزيزها وتعميقها، لاغتنام مجموع الفرص الاقتصادية والتجارية التي يقدمها على السواء كل من المغرب والبلدان الشريكة الأفريقية.

 

média